محمد غازي عرابي
795
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
لأضله كما أضل فرعون ، ولهذا قال الإمام أبو عثمان النيسابوري من رأى نفسه خيرا من فرعون فلقد أظهر الكبر ، ولو شاء سبحانه لجعل من أبي جهل أبا علم ، سبحانه هو الآخذ بالنواصي مالك القلوب . ومقام الحيرة آخر مقامات الصوفية ، وفيه يرفع العارف يديه عاليا معلنا استسلامه للواحد القهار صاحب الدار ، يفعل بعباده ما يشاء ، قال أبو يعقوب النهرجوري أعرف الناس باللّه أشدهم تحيرا فيه ، وقال أبو سليمان الداراني من رأى نفسه أنه مستعمل فبأي شيء يعجب . [ سورة الروم ( 30 ) : آية 55 ] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) [ الروم : 55 ] طي الزمان نتيجة الكشف الذي يبين أن الوجود دائرة متحركة دائمة الدوران ، وما الزمان الذي نعرفه إلا نتيجة هذا الدوران وكل ما في العالم يدور . والعارف حين يشهد الحقيقة يعلو على الزمان أي يتحرر منه ومن أسره ، أما غير الموحدين ، وهم ما سموا المجرمين فإنهم يعيشون الزمان دون أن يدركوا حقيقة هذا الوهم الكبير ، ولقد ينتبه الإنسان أحيانا مما هو فيه فينظر إلى الماضي فيراه وهما علما أنه عاشه يوما فيوما وساعة فساعة . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 56 إلى 58 ] وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) [ الروم : 56 ، 58 ] البعث هو ما تحدثنا عنه في الآية السابقة ، وقلنا إن العارفين هم الشهداء عليه ، وكتاب اللّه هو ما انتقش في صفحة النفس الكلية من آيات هي علوم مجملة تقتضي التفصيل ، وإدراك هذه الحقيقة بعث مؤقت ، لأن من لا يدرك هو ميت أو كالميت ، والمدرك حي . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 59 إلى 60 ] كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) [ الروم : 59 ، 60 ] لا سبيل إلى إقناع الجاهلين الذين طبع اللّه على قلوبهم ، ولقد تحدثنا عن هذا الطبع الذي هو طلب الصفة للموصوف وتعلقها به وإلقاء شباكها عليه فهو أسيرها ، لا طاقة له على الخروج عليها لأنه تعينها وتجسدها ولابسها ، فهو هي وهي هو ، وهما زوجان لا يفترقان ، ووصف اللّه هؤلاء بأنهم لا يعلمون ، وسر هذه الرقيقة أن الإنسان يفكر ثم يفعل ظانا أن فكره